القرطبي

362

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قلت : أحوال الناس في هذا الباب تختلف ، فرب رجل تكون له قوة على سكنى الكهوف والغيران في الجبال ، وهي أرفع الأحوال لأنها الحالة التي اختارها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في بداية أمره ، ونص عليها في كتابه مخبرا عن الفتية ، فقال : " وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ( 1 ) " . ورب رجل تكون العزلة له في بيته أخف عليه وأسهل ، وقد اعتزل رجال من أهل بدر فلزموا بيوتهم بعد قتل عثمان فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم . ورب رجل متوسط بينهما فيكون له من القوة ما يصبر بها على مخالطة الناس وإذا هم ، فهو معهم في الظاهر ومخالف لهم في الباطن . وذكر ابن المبارك حدثنا وهيب بن الورد قال : جاء رجل إلى وهب بن منبه فقال : إن الناس وقعوا فيما وقعوا وقد حدثت نفسي ألا أخالطهم . فقال : لا تفعل إنه لا بد لك من الناس ، ولا بد لهم منك ، ولك إليهم حوائج ، ولهم إليك حوائج ، ولكن كن فيهم أصم سميعا ، أعمى بصيرا ، سكوتا نطوقا . وقد قيل : إن كل موضع يبعد عن الناس فهو داخل في معنى الجبال والشعاب ، مثل الاعتكاف في المساجد ، ولزوم السواحل للرباط والذكر ، ولزوم البيوت فرارا عن شرور الناس . وإنما جاءت الأحاديث بذكر الشعاب والجبال واتباع الغنم - والله أعلم - لان ذلك هو الأغلب في المواضع التي يعتزل فيها ، فكل موضع يبعد عن الناس فهو داخل في معناه ، كما ذكرنا ، والله الموفق وبه العصمة . وروى عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يعجب ( 2 ) ربك من راعى غنم في رأس شظية الجبل يؤذن بالصلاة ويصلى فيقول الله عز وجل انظروا إلى عبدي يؤذن ويقيم الصلاة يخاف منى قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة " . خرجه النسائي . الثالثة - قوله تعالى : ( وهئ لنا من أمرنا رشدا ) لما فروا ممن يطلبهم اشتغلوا بالدعاء ولجئوا إلى الله تعالى فقالوا : " ربنا آتنا من لدنك رحمة " أي مغفر ورزقا . ( وهئ لنا من أمرنا رشدا ) توفيقا للرشاد . وقال ابن عباس : مخرجا من الغار في سلامة . وقيل صوابا . ومن هذا المعنى أنه عليه السلام كان إذا حزبه ( 4 ) أمر فزع إلى الصلاة .

--> ( 1 ) راجع ص 367 من هذا الجزء . ( 2 ) يعجب : كيسمع ، أي يرضى منه ويثيبه . ( 3 ) الشظية ( بفتح الشين وكسر الظاء ) : قطعة مرتفعة في رأس الجبل ( 4 ) أي إذا نزل به مهم أو أصابة غم . وفى الأصول : " إذا أحزنه " والتصويب عن كتب الحديث .